القاضي عبد الجبار الهمذاني

42

متشابه القرآن

ويدل على قولنا من وجه آخر ، وذلك لأن قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ تخصيص له بأنا نعبده دون غيره ، وذلك لا يصح إلا بأن يكون العبد مختارا لفعل على فعل ، لأنه « قد تقع العبادة [ على وجه الإلجاء ] « 1 » وإنما ينصرف الفعل إلى أن يكون عبادة للّه عز وجل ، باختياره وبأمور تتعلق به ، وفي ذلك إبطال القول بأن هذه الأفعال للّه عز وجل يخلقها في العبد . ويمكن أن يستدل على نحو ذلك بأمره تعالى لنا أن نستفتح القرآن وغيره بسم اللّه الرحمن الرحيم ، لأن ذلك هو استعانه به من حيث نستفتح بذكره الأمور التي نريدها ونعزم عليها ، والاستعانة به في ذلك إنما تصح متى كنا المختارين للفعل ، العادلين عن غيره إليه ، ولذلك لا يصح أن نستعين بذكر اسمه على الأمور الضرورية التي يخلقها فينا . فإن قيل : فهل يدل الظاهر على ما سأله القوم ؟ قيل له : لا ؛ لأن الاستعانة تقتضى التماس المعونة من قبله ، ولا تدل على تفصيل المعونة ، وما يفعله عز وجل من الأمور المعينة على الطاعة أشياء كثيرة ، فمن أين أن المراد به القدرة دون غيرها ؟ ! نحو الصحة والخواطر والدواعي والتنبيه ! وبعد ، فإن المراد به لو كانت القدرة لكان إنما يدل على أنها تتجدد ، ولا يدل على أنها مع الفعل ، وهذا مذهب كثير من أهل العدل « 2 » ،

--> ( 1 ) عبارة الأصل : « قد تصح العبادة بالفعل كما يصح له » ولا تستقيم مع ما بعدها من التفريع ، ولعلها كما أثبت أقرب إلى الصواب ، وأقرب كذلك إلى ما يراه القاضي في موضوع القدرة والاختيار . ( 2 ) اختلف المعتزلة في القدرة : هل تبقى أم لا ؟ على مقالتين : فقال أكثرهم إنها تبقى ، وقال قائلون : « لا تبقى وقتين ، وإنه يستحيل بقاؤها ، وإن الفعل يوجد في الوقت الثاني بالقدرة المتقدمة المعدومة ، ولكن لا يجوز حدوثه مع العجز ، بل يخلق اللّه في الوقت الثاني قدرة . . . » وهذا مذهب أبي القاسم البلخي وغيره من المعتزلة . انظر مقالات الإسلاميين : 1 / 274 - 275 .